أحمد بن محمد ابن عربشاه

378

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ذاهلين ، فيصيبنا من النكال ما أصاب الجمل من الجمال ، فقال الريبال هات يا أبا الترهات ، أخبرنا يا أبا نوفل ، أخبار الجمل المغفل . [ 65 ] [ الجمل والجمال : ] قال : كان جمّال فقير ذو عيال له جمل يتعيش عليه ، ويتقوت هو عياله بما يصل منه إليه ، فرأى صلاحه في نقل ملح من الملّاحة ، فجد في تثقيل الأحمال وملازمته بإثقال الأثقال ، إلى أن آل حال الجمل إلى الهزال وزال نشاطه وحال ، والجمال لا يرق له بحال ويجد في كده بالاشتغال . ففي بعض الأيام أرسله مع السّوام « 1 » فتوجه إلى المرعى وهو ساقط القوة عن المسعى ، وكان له أرنب صديق ، فتوجه إليه في ذلك المضيق ودعاه وسلم عليه وبث عظيم اشتياقه إليه . فلما رأى الخزز « 2 » هزاله ، تألم له وسأله أحواله ، فأخبره بحاله وما يقاسيه من عذابه ونكاله ، وأن الملح قد قرحه وجبّ سنامه وجرحه ، وأنه قد أعيته الحيلة وأضل إلى الخلاص سبيله ، فتألم الأرنب وتأمل وتفكر في كيفية عصر هذا الدّمل ، ثم قال : يا أبا أيوب ، لقد فزت بالمطلوب وقد ظهر وجه الخلاص من شرك هذا الاقتناص ، والنجاة من الارتهاص والارتصاص « 3 » ، تحت حمل كالرصاص فهل يعترضك يا ذا الرياضة في طريق الملاحة مخاضة ، فقال : كثير ، وكم من نهر وغدير . فقال : إذا مررت في خوض ولو أنه روض أو حوض ، فابرك فيه وتمرغ وتنصل من حملك وتفرغ ، واستمر فيه يا أبا أيوب فإن الملح في الماء يذوب ، وكرر هذه الحركة ، فإنك ترى فيها البركة ، فإما أنهم يغيرون حملك أو يخففوه بذوبه من الذي أضعفوه ، فتحمل الجمل للأرنب المنّة وشغف

--> ( 1 ) الراعي الذي يتكفله ويرعاه . ( 2 ) ذكر الأرنب . ( 3 ) الارتهاص والارتصاص : الوهن والضعف .